عبد الشافى محمد عبد اللطيف

96

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

هذه الغزوة وادع بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا « 1 » . * أهداف السرايا والغزوات الأولى : يبدو لدارس سيرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأسلوبه في التعامل مع قريش في هذه المرحلة ، أنه كان يتوخّى من هذه الغزوات والسرايا تحقيق أهداف كثيرة منها : أوّلا : تدريب المسلمين عمليّا على الطرق والمسالك والأماكن التي ستصبح - مستقبلا - ميادين فعلية للقتال ، وساحات للمعارك الحاسمة مع أعداء اللّه من قريش وغيرها . فالرسول صلّى اللّه عليه وسلم من خبرته الطويلة في التعامل مع قريش أدرك أنها لن تذعن إلا لقوة قاهرة تعيدها إلى صوابها وتزيحها من طريق الدعوة . ثانيا : هذه الجهات والأماكن التي اتجهت إليها هذه الغزوات والسرايا الأولى تقع كلها على طريق القوافل الذي تسلكه قريش في طريقها إلى الشام ، ولقريش صداقات وعلاقات ودية مع أغلب القبائل المقيمة في هذه الجهات ، وهذه القبائل تعرف الكثير من أخبار قريش وتحركاتها ، وقوة الحراسة التي تحرس عيرها ، فإذا نجح النبي صلّى اللّه عليه وسلم في كسب ودّ هذه القبائل ، وأقام معها علاقات صداقة فسوف يفوز بمعلومات دقيقة عن خطط قريش ، وبالفعل حققت تلك الغزوات والسرايا نتائج طيبة في هذا السبيل ، وتمكّن النبي صلّى اللّه عليه وسلم من إقامة علاقات ودّية بل وعقد محالفات دفاعية مع بعض القبائل ، كانت لها دلالات عميقة على بعد نظر النبي صلّى اللّه عليه وسلم في تخطيطه لمستقبل الدعوة الإسلامية . وإليك أنموذجا من هذه المحالفات ، الكتاب الذي كتبه النبي صلّى اللّه عليه وسلم لبني ضمرة بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم ، وأنّ لهم النّصرة على من رامهم ، إلا أن يحاربوا في دين اللّه . . . وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذا دعاهم لنصرته أجابوه ، عليهم بذلك ذمّة اللّه وذمّة رسوله « 2 » . فأنت ترى من نص هذه المعاهدة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم ينجح فقط في تحييد هذه القبائل ، والتي كانت في الأصل صديقة لقريش ، بل ذهب إلى أكثر من ذلك ، فنجح في عقد معاهدات دفاعية معها ، وسوف يكون لهذا أثر كبير في مستقبل العلاقات مع قريش . وهذه المعاهدة

--> ( 1 ) ابن سعد - الطبقات الكبرى ( 12 / 10 ) ، وابن هشام ( 2 / 235 ) ، وابن كثير - السيرة النبوية ( 2 / 362 ) . ( 2 ) السيرة الحلبية ( 2 / 125 ) .